مر عام كامل على الانتخابات البرلمانية في العراق، التي جوبهت بمقاطعة شعبية واسعة، لينتهي النظام بكتله وأحزابه وميليشياته من حيث بدأ، ويختار عضو الاتحاد الوطني الكردستاني "عبد اللطيف رشيد" رئيساً للجمهورية، الذي قام بدوره بتكليف عضو حزب الدعوة "محمد شياع السوداني" برئاسة الوزراء، وهو شخصية رفضها العراقيون عام 2019 كبديل لعادل عبد المهدي، ليتم اختيار "مصطفى الكاظمي" بدلاً عنه.
وكان الاطار التنسيقي الذي يضم أحزاباً وميليشيات شيعية ليس من بينها التيار الصدري، قد رشح السوداني مرة أخرى في تموز/يوليو الماضي لرئاسة الوزراء، لتدخل البلاد في دوامة سياسية إثر استقالة نواب الكتلة الصدرية (73 نائبا من أصل 329) من البرلمان. وتسبب طرفا النزاع، ألاطار التنسيقي والتيار الصدري بفوضى عارمة، تطورت إلى اشتباكات استخدمت فيها مختلف أنواع الاسلحة، بعد اقتحام اتباع الفريقين للمنطقة الخضراء، سقط خلالها 33 قتيلاً والمئات من الجرحى.
من ناحية أخرى أثارت مواقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر المتناقضة حيال تشكيل الحكومة، تساؤلات وشكوكاً حول طبيعة الدور الذي يضطلع به، إلى الدرجة التي جعلت مراقبين يتهمونه بادعاء معارضة الاطار علناً والوقوف معه سراً، حيث كان بإمكانه تشكيل حكومة بعد تصدره الانتخابات وتشكيله تحالفاً أسماه (إنقاذ وطن)، لكنه أمر نواب تياره بالاستقالة، ليؤول الامر بعد كل ما جرى إلى الاطار ومرشحه محمد السوداني.
ماذا عن رئيس الجمهورية؟
واعتبر محللون سياسيون أن "عبد اللطيف رشيد"، المستشار الأقدم للرئيس العراقي منذ كانون الأول/ ديسمبر 2010 حتى توليه منصب رئيس الجمهورية في 13 تشرين الأول/إكتوبر الجاري، والذي تربطه علاقة نسب بالرئيس الاسبق "جلال طالباني"، لن يختلف هو الآخر عن سلفه "برهم صالح"، فكلاهما تخرج من مدرسة الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي ساهم بدوره مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وبقية الاحزاب الحاكمة، بتسليم البلاد الى المحتل.
وعلق الإعلامي "محمد الجميلي" على اختيار رشيد رئيسا للجمهورية بقوله، "ان الرئيس الجديد للعراق المحتل، حكم على نفسه أنه على رأس نظام غير شرعي، بعد أن ثار الشعب بكل طوائفه ضده في ثورة تشرين، وبعد أن قاطع مسرحية الانتخابات مراراً وتكراراً".
السوداني لن يكون مختلفاً عمن سبقه، وستعود التظاهرات التي اشتدت عام 2019 عندما طرح اسمه كبديل لعادل عبد المهدي
ولم يتمكن رشيد من جمع الاصوات الكافية للفوز في الجولة الاولى، حيث حصل على 157 صوتاً فقط، مقابل 99 صوتاً لمنافسه الرئيس السابق "برهم صالح"، كما لم يحصل أي مرشح آخر على ثلثي الاصوات، وهي النسبة التي تؤهله للفوز بالمنصب وفق قانون المجلس. وضمن المساومات والاتفاقات التي عرف بها البرلمان العراقي، والتي ترافق جلسات الانتخاب عادة، وافق الحزب الديمقراطي الكردستاني على سحب مرشحه وزير داخلية إقليم كردستان "ريبر أحمد" من السباق الرئاسي، ليرتفع رصيد رشيد إلى 162 صوتاً في الجولة الثانية من التصويت، ويفوز بمنصب الرئيس.
عودة المتظاهرين إلى الشوارع
واستقبل العراقيون خبر تكليف رشيد والسوداني بسلسلة تظاهرات في عدد من المحافظات، ففي بابل أغلق المتظاهرون مقر حزب الدعوة في مدينة الحلة مركز المحافظة. ونقل مراسلون صحفيون عن متظاهرين قولهم، إن" الحكومة المقبلة كسابقاتها تابعة لإيران واجنداتها التخريبية في العراق، وإن الضحايا الذي سقطوا من أجل تغيير النظام لن يتم إنصافهم"، مذكرين بسلوك حكومة "عادل عبد المهدي" مع المتظاهرين، وتنصل حكومة الكاظمي من تعهداته بمحاسبة قتلة زملائهم.
واندلعت في مدينة الديوانية تظاهرات مشابهة، عبر فيها المتظاهرون عن ثقتهم بأن تكليف السوداني رغم الرفض الشعبي له عام 2019، يؤكد عدم رغبة الأحزاب بالتغيير. أما في محافظة ذي قار، فقد توجه المتظاهرون إلى ساحة الحبوبي، التي سبق أن شهدت تظاهرات عديدة في السنوات السابقة، وسقط على أرضها العديد من الضحايا برصاص الميليشيات. وأكد متظاهرو الناصرية "أن الحكومة الجديدة فاقدة للشرعية، لأنها مرفوضة ولا تعبر عن تطلعات الشعب، وأنها جاءت نتيجة صراعات سياسية فاشلة بعيداً عن مصلحة الشعب"، متوعدين بتصعيد احتجاجاتهم حتى تحقق مطالبهم بإزاحة هذا النظام.
وذكرت مصادر صحفية في محافظة واسط، إن متظاهرين أحاطوا بمكتب النائب "سجاد سالم" وسط مدينة الكوت، وكتبوا على جدار المكتب " مغلق بأمر ثوار واسط". وعبر المتظاهرون عن غضبهم لمشاركة سالم في جلسة البرلمان، التي تم فيها اختيار رئيس الجمهورية وتكليف محمد السوداني برئاسة الحكومة.
التغيير الشامل هو الحل
وفي تحليلها للموقف لم تجد وكالة "فرانس برس"، أن شيئاً سيتغير بتولي السوداني رئاسة وزراء البلد الغارق بالازمات، والذي تسيطر عليه الميليشيات المسلحة، ويستشري الفساد في كل مؤسساته. ورأت الوكالة، أن السوداني لن يكون مختلفاً عمن سبقه، وستعود التظاهرات التي اشتدت عام 2019 عندما طرح اسمه كبديل لعادل عبد المهدي، والذي شهدت ولايته سقوط الآلاف من الضحايا والجرحى والمختطفين من المتظاهرين.
وتحدثت تقارير صحفية عن إجماع قوى وطنية عراقية، على أن "الترحيب الأمريكي والفرنسي والإيراني باختيار رئيس الجمهورية "عبد اللطيف رشيد" وتكليف "محمد شياع السوداني" بتشكيل الحكومة، لا يغير من حقيقة الواقع السياسي الهش، كما لا يمنح العراقيين بارقة أمل لاستعادة بلدهم من القوى الفاسدة"، وأن ترحيب هذه الاطراف بالتوافق، يؤكد أنها "لا تريد للعراق أن يستعيد مشروعه الوطني"، بل الابقاء على نظام المحاصصة الذي "أوصل العراق إلى قمة مؤشر الفساد في العالم وفي ذيل الدول المتخلفة".
ونقلت المصادر عن هذه القوى تأكيدها على "أن المنطقة الخضراء لا تنتج حلولاً للواقع السياسي البائس، بقدر ما تهرب إلى الامام عبر التوافقات الهشة فيما بينها، للحصول على حصتها من غنيمة الدولة".
وكانت مدينة إسطنبول التركية، قد شهدت مؤخراً انعقاد المؤتمر الثالث للميثاق الوطني العراقي، حيث أجمعت القوى الوطنية العراقية المشاركة فيه، على استحالة إصلاح العملية السياسية القائمة منذ الاحتلال، مؤكدة على وجوب التغيير الشامل كضمان لمستقبل العراق، واخراجه من دوامة التقسيم الطائفي والفساد.