بغياب قانون يحترمه الجميع، وقضاء ينصف الجميع، تضيع الحقوق ويسود الظلم. أما السجين منزوع الحقوق، فيتحول في مثل هذه الظروف إلى مادة لابتزاز السجانين ومساوماتهم، ويتعرض لأنواع التعذيب التي يبتدعها السجانون بعيداً عن المحاسبة. من أجل ذلك أقرت الأمم المتحدة يوماً عالمياً لمساندة ضحايا التعذيب، وخصصت السادس والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام، مناسبة سنوية تقام فيها فعاليات مناهضة التعذيب والمعاملة السيئة والإساءات الجسدية والنفسية في مختلف أرجاء العالم، تهدف لتذكير الحكومات بحقوق هؤلاء، وضرورة وضع حد لمثل هذه الممارسات، ومحاسبة مرتكبيها.
وأصبح العراق بعد الإحتلال وانتشار أنواع الميليشيات التي يمتلك كل منها سجونه ومعتقلاته الخاصة، ناهيك عن السجون الحكومية، في مقدمة الدول التي يمارس فيها التعذيب بشكل منتظم، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) وبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). ويغطي التقرير الذي حمل عنوان (حقوق الإنسان في تطبيق العدالة في العراق: الشروط القانونية والضمانات الإجرائية لمنع التعذيب والمعاملة السيئة)، الفترة من الأول من تموز/ يوليو 2019 ، حتى الثلاثين من نيسان/أبريل من العام الماضي. وأكد ألتقرير أن هذه الممارسات مازالت مستمرة في السجون في جميع أنحاء البلاد، والتي تغص بآلاف المعتقلين، ولا تتبع جميعها لسلطة الحكومة.
أسوأ ما أورثه المحتل
وورث السجان العراقي عن أسلافه الأمريكيين والبريطانيين، الذين تلقى على أيديهم التدريب في سجن أبو غريب وغيره من السجون، وسائل تعذيب نفسي وجسدي متعددة. وبحسب مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب "عمر الفرحان"، فقد تنوعت وسائل التعذيب ابتداء من الصفع والشتائم والإذلال والتهديد والصعق بالكهرباء، وانتهاء بسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية والتغذية. وتعرض السجناء للضرب في أماكن مختلفة من الجسم وعلقت أجسامهم في السقف، كما تعرض بعضهم للإعتداء الجنسي وصعقت أعضاؤهم بالكهرباء أو حشرت العصي والقناني الزجاجية في مؤخراتهم. ونتيجة لحرمانهم من الرعاية الصحية ومنعهم من التعرض للشمس واكتظاظهم في غرف غير نظامية، إنتشرت بينهم مختلف الأمراض مثل الجرب، ومات كثير منهم بمرض التدرن الرئوي وفيروس كورونا.
ونقل تحقيق صحفي عن الفرحان قوله، إن الحكومة العراقية لم تنكر وجود هذه الإنتهاكات في السجون، بل أكدتها الجهات المختصة في العديد من التقارير.
وأيد رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان "مصطفى سعدون" ما ذهب إليه الفرحان، مضيفاً أن "التعذيب بات سلوكاً ممنهجاً تتبعه السلطات العراقية، وهذا مؤشر خطير على أن ما يحدث في السجون هو شيء كارثي".
ولا يستطيع كثير من السجناء، لأسباب عديدة، التصريح بما حدث لهم في السجن حتى بعد خروجهم، مما يؤشر "خللاً كبيراً في الأرقام والإحصائيات"، بحسب سعدون.
إعتراف تحت التعذيب
ولن يتمتع من أطلق سراحه بحريته، إذا فقد صحته ، وأحياناً عقله بسبب ما مر عليه في المعتقل. وأكد سعدون أن ضحايا التعذيب يعانون من آثار نفسية مريرة وبعضهم من مشاكل عقلية، ويعيشون ما تبقى من حياتهم تحت صدمات نفسية كبيرة. وذكر رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن هناك حالات إعدام لمعتقلين انتزعت منهم اعترافات تحت التعذيب، وهذا ما يساعد الجناة على الإفلات من العقاب، إضافة لكونه إخفاءاً للحقيقة وتغييباً للعدالة. ولعل من أشهر القضايا التي وصمت القضاء العراقي، وتداولتها العديد من وسائل الإعلام خلال الشهور الماضية، قضية شاب في محافظة بابل من مواليد 1993، إختفت زوجته واتهِم بقتلها وحرقها، وصدر بحقه حكم بالإعدام بسبب الإعترافات التي أدلى بها تحت التعذيب، لتعود الزوجة إلى بيتها الذي كانت قد غادرته إلى جهة مجهولة، حيث تبين أن الشاب لم يصمد أمام صنوف التعذيب ليعترف بجريمة يقترفها، بل لم تقع أصلاً .
تصنيف التعذيب في القانون العراقي
وعرجت القوانين العراقية على قضية التعذيب في قانون المحكمة الجنائية العليا، وكذلك في المادة 333 من قانون العقوبات العراقي 111 لسنة 1969، لكن عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق الدكتور "علي البياتي"، يرى أن "الإشكالية تتمثل بأن تعريف التعذيب في القانونين لا يرقى إلى مستوى التعريف في اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها العراق عام 2008"، مؤكداً على افتقار مؤسسات الدولة لمبادئ عامة وسياسة واضحة للتعامل مع قضية التعذيب. ولإثبات ضعف الجهد المؤسساتي هذا الموضوع، أورد البياتي في حديث صحفي أمثلة عن قضايا تعذيب قليلة تم التحقيق فيها أبان تظاهرات تشرين، حيث لم يحسم غير 8 قضايا من أصل 18 ألف شكوى.
أما ما يتعلق بالعقوبة، والحكم على المتورطين بجرائم التعذيب، فيقول البياتي إن العقوبة متروكة لتقدير السلطة القضائية، وقد تتراوح بين 3 أشهر و15 عاماً وفق تقدير القاضي. وبحسب عضو مفوضية حقوق الإنسان السابق، فإن هذه العقوبة لا تتناسب مع حجم الجريمة، والتي قد تؤدي إلى إعاقة نفسية أو عقلية أو جسدية للشخص أو لذويه مدى الحياة.
واللافت أن العراق لم يوقع على البروتوكول الإختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب عام 2011، رغم توقيعه على الإتفاقية. وبهذا الخصوص أكدت المديرة الإقليمية لمركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان "حنان عبد اللطيف"، إن من أهم المبادئ التي ينص عليها الملحق، القيام بزيارات منتظمة من قبل هيئات دولية مستقلة لسجون العراق الحكومية، والتحقيق في حالات التعذيب والمعاملة اللا إنسانية التي يتعرض لها المعتقلون، والكشف عما إذا كانت هناك سجون غير حكومية.