مقايضة النفط بغاز إيران ينتهك العقوبات ويفتح باباً للتوتر

وكالة يقين
19 تموز، 2023

درجت حكومات الاحتلال في العراق على استهلال الحكومة الجديدة برنامجها بذم سابقتها واتهامها بالتقصير وتحميلها كامل المسؤولية عن الفشل في حل الملفات العالقة، ثم الوعود بتجاوز أخطاء من سبقها والبدء من جديد، تعقب ذلك جولات للمسؤولين الجدد في عدد من البلدان لإبرام عقود جديدة بدل العقود الفاسدة التي أبرمتها الحكومة السابقة، ثم تدخل مشاريعها فترة سبات لأربع سنوات كاملة، تأتي بعدها حكومة جديدة لتدير نفس الاسطوانة.
ويبرز ملف الكهرباء من بين أهم الملفات التي صُرف عليها الكثير من الأموال، واستغرق العمل فيها وقتاً طويلاً دون نتيجة تذكر، مع أن مقومات النهوض بقطاع الطاقة جاهزة، سواءاً على مستوى الخبرات، أو على مستوى المواد الأولية كالنفط والغاز، وحتى الطاقة الشمسية التي أهملتها كل تلك الحكومات لسبب غير معروف.

وبحسب باحثين، فإن المشكلة لا تكمن في الأموال ولا في الخبرات ولا المواد الأولية، وإنما في إرادة التغيير بدوافع وطنية لا تتأثر بارتباطات خارجية، ويرون أن هذا العامل غير متوفر في كل الحكومات التي تناوبت على حكم البلاد منذ احتلالها.

ورهنت هذه الحكومات مصير قطاع الطاقة – كغيره من القطاعات- بيد ايران، عندما اعتمدت على الغاز الايراني، وسمحت بذلك لبلد اجنبي بالتحكم بمقدرات البلاد، بينما استمرت بحرق غازها الوطني غير آبهة بالتلوث وانتشار الأمراض السرطانية بسبب حرق الغاز، ولا بالخسارة المادية الهائلة، حيث أصبح العراق ثاني بلد على مستوى العالم بعد روسيا بكمية الغاز المحروق في الجو.

ماذا بعد تسديد الديون؟.

ولطالما تذرعت إيران بالديون المترتبة على العراق عندما تلجأ لقطع الغاز بشكل مفاجئ، وأحيانا تقطعه لأسباب لا علاقة لها بالديون، حيث أشار مراقبون إلى أن عملية القطع الأخيرة جاءت لإجبار العراق على ترحيل المنظمات الكردية الإيرانية المعارضة لها شمال العراق. ونقلت قناة "الحرة" عن متحدثة باسم الخارجية الأميركية قولها، إن "حد إيران من إمدادات الغاز يهدف للضغط وابتزاز الحكومة العراقية وشعبها".
واستخدمت إيران هذا الإسلوب أكثر من مرة، لتدفع بالمسؤولين العراقيين إلى أبواب المحتل الآخر، الذي فرض عليها عقوبات لا دخل للعراق بها، ومؤخراً أوكلت هذه المهمة إلى الإطار التنسيقي، الذي طالب الخارجية العراقية بالاتصال بالجانب الأميركي، للسماح بإطلاق المستحقات المالية المتراكمة، جراء استيراد الغاز الإيراني. 
وغالباً ما يلجأ المسؤولون العراقيون لتبرير تصرفات إيران في هذا الجانب، ففي كلمة له في الحادي عشر من تموز/يوليو الجاري، قال رئيس الوزراء "محمد السوداني" إن "إمدادات الغاز الإيراني للعراق توقفت بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على طهران"، وإنها "انحسرت بأكثر من 50% مما أثر على تجهيز الطاقة في العراق".

وانتقدت مصادر صحفية اهتمام الإطار التنسيقي بوصول الأموال إلى إيران أكثر من اهتمامه بوصول الغاز إلى المحطات العراقية. وكان الإطار قد أصدر بياناً حمل فيه المصرف العراقي للتجارة، والإدارة الأمريكية، مسؤولية تراجع تجهيز الطاقة الكهربائية.

ووفق تصريح أدلى به المتحدث باسم وزارة الكهرباء " أحمد موسى " يوم 26حزيران/يونيو الماضي، فقد سدد العراق كل مستحقات الغاز الإيراني، حيث أودعها في صندوق الاعتماد لدى المصرف المذكور، فهل سيحصل العراقيون على جزء من الطاقة التي وعدتهم حكومة الإطار بتوفيرها؟

النفط مقابل الغاز 

وللتخلص من عقدة التحويلات المالية واعتراض الولايات المتحدة عليها، وعلى أمل عودة تدفق الغاز الإيراني إلى المحطات العراقية، اتفق الجانبان على مقايضة الغاز الإيراني بالنفط الخام والنفط الأسود العراقي. وقرر مجلس الوزراء أن تقوم وزارة النفط بذلك، وأن "تتولى وزارتا النفط والمالية إجراء التسويات بالتنسيق مع ديوان الرقابة المالية، وأن تُخول شركة تسويق النفط العراقية (سومو) وضع الآلية التسويقية اللازمة لتنفيذ الاتفاق".

واعتبرت الحكومة العراقية هذا القرار حلاً مناسباً لأزمة الكهرباء، حيث قال المتحدث باسمها "باسم العوادي"، إن "حل أزمة استيراد الغاز إنجاز كبير سيُخرج العراق من أزمة مزمنة استمرت منذ عام 2018" حسب تعبيره، لكن باحثين وجدوا إن الاتفاق يصب في مصلحة إيران، وسيتحمل العراق بسببه خسائر كبيرة.

ويلف الغموض الاتفاق الذي وقعه الطرفان الإسبوع الماضي، حيث أن البلدين لم يسبق لهما الارتباط بمشاريع نفطية، ولا توجد أنابيب لنقل النفط، أو طرق برية صالحة لعبور الصهاريج، ولم يتضح ما إذا كان العراق سيصدر نفطه إلى إيران بشكل مباشر أم عن طريق طرف ثالث، كما أن إيران "ليست بحاجة للنفط الخام، وهي تعاني أساساً من تراكم كميات نفط ضخمة لديها بسبب العقوبات"، وفق ما ذكره الناشط السياسي العراقي "أحمد حقي"، الذي أبدى  تخوفه من استغلال إيران للاتفاق بسحب كميات من النفط من الحقول المشتركة على سبيل المقايضة، ضمن الاتفاق الذي لم تعلن تفاصيله.

واشنطن تعلق على الاتفاق

وغرد الباحث بالشأن الاقتصادي العراقي "زياد الهاشمي" على موقع تويتر قائلاً، إن "اتفاق مقايضة النفط الأسود بالغاز الإيراني رغم فائدته الآنية، إلا أنه قد يكون باباً كبيراً للفساد والتلاعب بالكميات المُصدرة وأسعارها، وتسعيرة الغاز الإيراني وغيرها، وقد يفضي هذا الاتفاق في النهاية لخسارة كبيرة للعراق بالمليارات مقابل مكاسب هائلة لإيران".

أميركياً قال مسؤولون في وزارة الخارجية إن مقايضة الغاز الإيراني بالنفط العراقي، تنتهك العقوبات الأميركية المفروضة على طهران، ما لم تُصدر الولايات المتحدة استثناءاً يسمح بذلك. وسبق لوزير الخارجية الأميركي " أنتوني بلينكن"، إصدار استثناء محدود في الحادي والعشرين من آذار/مارس لمدة 120 يوماً، يسمح للعراق بدفع مستحقات إيران من الكهرباء فقط، لا من الغاز الطبيعي الذي يستخدمه لتوليد الطاقة الكهربائية. وأشار هؤلاء المسؤولون إلى أن عملية المقايضة قرار سياسي، أما من ناحية قانونية، فتمثل انتهاكاً للعقوبات الأميركية.

menu-circlecross-circle