بعد 46 يوماً على تكليفه بتشكيل الحكومة العراقية، في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر، قام "محمد شياع السوداني" بزيارة لطهران، قال متابعون للشأن العراقي أنها كانت مقررة قبل التطورات العسكرية الأخيرة شمال العراق، فيما وصفتها مصادر صحفية بأنها "استدعاء" لتلقي التعليمات، مستندة في ذلك على نوعية العلاقة التي تربط أطراف الإطار التنسيقي الذي رشحه لهذا المنصب، والتي توصف بالتبعية الكاملة لإيران.
والتقى السوداني خلال الزيارة بالمرشد الإيراني "علي خامنئي"، كما عقد جلسة مباحثات مع الرئيس الإيراني "ابراهيم رئيسي". وقال بيان مكتب السوداني الإعلامي، إن "الجلسة شهدت البحث في العلاقات الثنائية بين البلدين، ومناقشة الملفات ذات الاهتمام المشترك وفي مقدمتها ملف التنسيق الأمني، والتبادل التجاري، والتعاون في مجال الطاقة والاستثمار وتنظيم السياحة والزيارات الدينية المتبادلة، فضلاً عن ملف المياه ومواجهة تحديات التغير المناخي وآثاره الاقتصادية"، لكن مصادر صحفية تابعت مخرجات الزيارة، رأت أن كل الملفات التي بحثت كانت تكرس التدخل الإيراني في الشأن العراقي وتثبت مصالح إيران الاقتصادية، فيما لم يحصل السوداني على أي وعد بالتوقف عن قصف المدن شمال العراق، أو إنهاء أزمة المياه التي تسببت بها إيران، بإقامتها السدود وتحويل مجاري الروافد والانهار إلى الداخل الإيراني، وتلويث مياه شط العرب بالمخلفات الصناعية.
خدمات وهمية
وأكدت المصادر أن حكومة السوداني وبالتزامن مع الزيارة، أبرمت مع إيران عقداً بأربعة مليارات دولار لتقديم "خدمات فنية وهندسية" لم تكشف عن طبيعتها، مضيفة أن إبرام العقد
يهدف لدعم الاقتصاد الايراني، من خلال رفع قيمة تصدير البضائع الايرانية إلى العراق على حساب المنتج الوطني.وكان رئيس مجلس ادارة اتحاد مصدري النفط والغاز والبتروكيماويات في ايران "سيد حامد حسيني"، قد أعلن عن توقيع بلاده عقداً مع العراق بقيمة اربعة مليارات دولار، يتضمن تصدير الخدمات الفنية والهندسية إليه. ولم يحدد حسيني نوعية الخدمات "الفنية والهندسية" التي زعم أن بلاده ستقدمها للعراق، كما لم تشر المصادر الحكومية العراقية للعقد من قريب أو من بعيد، الأمر الذي دفع اقتصاديين عراقيين لاعتباره "هبة مجانية". وقالت المصادر إن خامنئي اُبلغ السوداني لدى لقائه بضرورة توقيع المزيد من "مذكرات التفاهم والتعاون بين إيران والعراق"، بهدف ربط سيادة واقتصاد البلاد بإيران، مشككة بجدوى هذه الاتفاقات للعراق، خاصة ما يتعلق منها بمجال الاقتصاد وتبادل البضائع والسكك الحديدية.
وبحسب الحسيني فإن صادرات بلاده إلى العراق باستثناء الكهرباء، بلغت أربعة مليارات و700 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الماضية، وأن بلاده تعمل على مضاعفتها إلى 10 مليارات خلال الأشهر الستة القادمة.
توغل في الشمال
ولم تمض 48 ساعة على انتهاء زيارة السوداني لطهران التي استغرقت يومين، حتى رصدت مصادر في شمال العراق توغلاً برياً للجيش الإيراني داخل الحدود العراقية، حيث أنشأ مواضع له في المناطق الحدودية، مؤكدة أن الجيش الإيراني أقام ثكنات عسكرية على مسافة 3 كيلومترات داخل الأراضي العراقية، في مناطق تابعة لمحافظة أربيل وجبال شومان بالقرب من الحدود الإيرانية. وتداولت وكالات الأخبار صوراً قالت إنها لثكنة عسكرية أقامها الجيش الإيراني على قمة جبل في تلك المنطقة، مضيفة أن إيران أبلغت السوداني خلال الزيارة، بأن جيشها سيجتاز الحدود في أي وقت تراه طهران مناسباً، دون الحاجة لتنسيق مسبق. وأعلن السوداني من طهران بأن "حكومته لن تسمح بتهديد الأراضي الإيرانية انطلاقاً من العراق"، لكن المرشد الايراني أبلغه بأن حكومة العراق لا تقوم بواجباتها تجاه تعريض أمن إيران للخطر انطلاقاً من مناطق عراقية. وفسرت المصادر التوغل الايراني داخل الاراضي العراقية، على أنه ترجمة لقيام إيران بهذه المهمة بدل الجيش العراقي، حتى لو كان ذلك على حساب أمن وسيادة العراق. ولم يحمّل رئيس الوزراء العراقي المسؤولين الإيرانيين الذين التقى بهم خلال الزيارة، المسؤولية عن الهجمات التي استهدفت شمال بلاده، في فترات متقطعة خلال الشهور الماضية، كان آخرها قبل زيارته طهران بأيام، حيث سقط العديد من الضحايا بتلك الهجمات بين قتيل وجريح.
وعقب عودة السوداني إلى البلاد، نشرت القوات العراقية بعض قطعاتها في المناطق القريبة من الحدود الإيرانية والتركية. وقال ناطق باسم قائد القوات المسلحة العراقية، اللواء "يحيى رسول الزبيدي"، إن الهدف من ذلك هو "مسك الخط الصفري الفاصل بين العراق وتركيا وإيران من خلال إعادة الانتشار وتعزيزها بمخافر حدودية"، مضيفاً في تصريح صحفي أن هذه القوات "ستسيطر على الحدود وتمنع أي عمليات تسلل وتؤمن المناطق الحدودية العراقية"، ولم ترد في تصريح المتحدث العسكري أي إشارة لاجتياز الجيش الإيراني حدود البلاد. وبحسب الباحث "سامان نوح"، فإن نشر القوات العراقية في المنطقة الحدودية "كان مطلبا إيرانياً".
تصدير الأزمات
وتواصلت خلال الأشهر الماضية عمليات القصف الإيرانية لمدن وقرى عراقية شمال البلاد، لجأ إليها العديد من الأكراد الإيرانيين منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي.
وفي معرض تبريرها لقصف مدن وقرى شمال العراق قالت البعثة الإيرانية لدى مجلس الأمن الدولي، إن هناك جماعات معارضة لها تقطن هذه المناطق، وأن ليس لها خيار آخر لحماية نفسها غير القصف حسب وصفها، مضيفة أن هذه الجماعات "كثفت مؤخراً من أنشطتها ونقلت بشكل غير قانوني كميات كبيرة من الأسلحة إلى إيران لتسليح الجماعات التابعة لها التي تنوي القيام بعمليات إرهابية" على حد تعبير البعثة، لكن مراسلين أجانب زاروا المنطقة، أكدوا أن هؤلاء معارضون للنظام الإيراني، لكنهم لا يمتلكون أي أسلحة.
وبحسب سامان فإن "إيران تريد تصدير أزماتها الداخلية للخارج، ولهذا فهي تتذرع بوجود دور للمعارضة الإيرانية الكردية الموجودة على الأراضي العراقية، رغم أن هذه المعارضة في حقيقة الأمر ليست مسلحة ولا تمارس أي عمليات عسكرية، وهي موجودة في هذه المناطق منذ ثلاثة عقود، ولم يشكل وجودها أي أزمات سابقاً".