نشرت السلطات الصحية العراقية أرقاماً جديدة لأعداد المصابين بمرض السرطان، مثلت ارتفاعاً ملحوظاً عن معدلاتها. وقال أطباء عراقيون، إن الارتفاع جاء نتيجة لعدم إيلاء هذا المرض الاهتمام الكافي من قبل السلطات، سواء بتوفير المستشفيات التخصصية والعلاجات اللازمة من مناشئ معروفة، أو في مجال معالجة الأسباب الحقيقية التي جعلت المرض ينتشر في العراق أكثر من غيره بنسبة كبيرة.
وأعلنت وزارة الصحة، عن تسجيل مايزيد عن 30 ألف حالة، فضلاً عن أعداد غير معروفة لمصابين لم يراجعوا المستشفيات، أو أنهم مصابون بالمرض دون علمهم. وحذر المتحدث باسم الوزارة "سيف البدر" في حديث لوكالة الأنباء العراقية الرسمية، من "تأخر الكشف عن الحالات السرطانية، خصوصاً لسرطان الثدي"، مضيفاً ان السرطان يمثل واحداً من عشرة أسباب رئيسية للوفاة في العراق.
وفي البصرة أكدت مفوضية حقوق الانسان تسجيل 9 آلاف إصابة، عزت أسبابها للتلوث البيئي في المحافظة، حيث تساهم 700 شعلة نفطية منتشرة فيها، برفع معدلات الاصابة. وألقى رئيس المفوضية "مهدي التميمي" باللائمة على الوزارات والجهات المعنية، ألتي قال إنها لاتكترث لهذا الملف الخطير، ولا بآلام المصابين الذين يعانون كثيراً في صراعهم مع المرض.
حرق الغاز
ولا يفوت المسؤولون العراقيون مناسبة إلا وأعلنوا فيها عن خططهم لإيقاف حرق الغاز والاستفادة من عائداته، بدل تحمل العواقب الاقتصادية والصحية جراء حرقه، وفي مقدمتها الأمراض السرطانية، في حين تستمر الحكومة باستيراد احتياجات البلاد من ايران بمبالغ طائلة. وخلال مؤتمر العراق الدولي الثامن للنفط والغاز الذي عقد هذا الشهر في فندق الرشيد ببغداد، تحدث وزير النفط "حيان عبد الغني"، عن وضع خطة لاستثمار الغاز ومنع حرقه نهائياً خلال أربع سنوات، لكن اقتصاديين عراقيين شككوا بإمكانية تحقيق ذلك، بسبب ضغوط إيران، التي تريد استمرار تدفق غازها إلى العراق.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن العراق يمتلك احتياطياً ضخماً من الغاز، يقدر بنحو 132 تريليون قدم مكعب، يضعه في المرتبة الثانية عشرة على مستوى العالم، لكنه يحتل في نفس الوقت المرتبة الثانية عالمياً بحرقه بعد روسيا، حيث يحرق حوالي 16 مليار متر مكعب من الغاز يومياً، أو مايعادل 0.5% من الإنتاج العالمي، وهي كمية تكفي لتوفير الطاقة لثلاثة ملايين منزل لو تم استغلالها، بالإضافة لتجنيب السكان مخاطر حرقها.
وجاء في ورقة بحثية نشرها مركز الامارات للسياسات، ان "سنوات من سوء التخطيط الهيكلي وسوء الإدارة للموارد الطبيعية في البلاد، انطوت على أثر ضار متزايد على أمن العراق البيئي، كما أثَر على صحة السكان ورفاههم، خاصة أولئك الذين يعيشون بالقرب من حقول النفط والغاز". وتحدثت الورقة عن الاعداد المتزايدة للإصابة بالسرطان خاصة في محافظة البصرة، مؤكدة أن حرق الغاز يجعل منطقة الزبير في محافظة البصرة من بين "أكثر 100 نقطة في العالم إضاءة "
حرق النفايات الخطرة
وإلى جانب التلوث الناجم عن حرق الغاز المصاحب للنفط تبرز مشكلة أخرى، هي مخلفات الأسلحة والاعتدة المحرمة دولياً، التي استخدمتها قوات الاحتلال، ومازالت منتشرة في مناطق العمليات العسكرية، أو أنها رفعت وبقي مكانها ملوثاً، لتساهم هي الاخرى بانتشار المرض. وبحسب مفوضية حقوق الانسان، فإن الأماكن التي رفعت منها المخلفات يجب أن تفحص، لوجود مخاوف من بقاء الأراضي ملوثة، حيث أن من الممكن أن تستمر بنشر العوامل المسرطنة.
من سيعوض العراقيين الذين مازالوا يعانون من عواقب هذه الممارسات، عندما يعوض بايدن جنوده وفق القانون الجديد؟
من ناحيتها دعت منظمة وشبكة "ان بي آر" الأمريكية، لتحميل الولايات المتحدة مسؤولية ارتفاع نسب الإصابة بأمراض السرطان، مؤكدة أن المواطنين العراقيين يتعرضون بشكل مستمر للعوامل المسرطنة، بسبب استخدام القوات الغازية لأسلحة محرمة.
وبحسب شبكة "فوكس نيوز"، فقد تمكن الرئيس الامريكي "جو بايدن" مؤخراً، من تمرير قانون "باكت" الذي يتضمن تعويضاً مادياً لجنود أمريكيين، تعرضوا لغازات مسرطنة خلال حربي أفغانستان والعراق.
وتحدثت منظمات حقوقية عن اعتراف غير مباشر لبايدن، يتعلق بقيام قواته باستخدام حفر كبيرة لحرق أطنان من النفايات الخطرة، أصيب بسببها عدد من جنوده بأمراض سرطانية.
العراقيون "لا بواكي لهم"
وكانت القوات الغازية قد استخدمت وقود الطائرات لحرق أطنان من النفايات الخطرة في حُفَر كبيرة أعدتها لهذا الغرض، تحت ذريعة "حماية الأسرار العسكرية". ونتج عن هذه العمليات كوارث صحية، منها ارتفاع مستويات الاصابة بالسرطان بين الأهالي الساكنين بالقرب من مواقع الحرق.
وتساءلت منظمات حقوقية أمريكية، عمن سيعوض العراقيين الذين مازالوا يعانون من عواقب هذه الممارسات، عندما يعوض بايدن جنوده وفق القانون الجديد.
واعتبرت هذه المنظمات، إن الارتفاع اللافت لمستويات الاصابة بالسرطان، خاصة في المناطق الجنوبية التي جرت فيها أكثر العمليات العسكرية، يحتم على الولايات المتحدة التي تسببت بذلك تحمل مسؤولياتها، بعد القانون الذي أعلنه بايدن، والذي وجدت فيه اعترافاً غير مباشر بمسؤولية قواته عنها.
وبالاضافة لحُفَر الحرق، شخصت دراسات ميدانية أُجريت في المناطق الغربية والجنوبية، مخاطر صحية وبيئية نجمت عن إشعاعات شظايا القنابل المحرمة التي استخدمتها القوات الغازية، والتي مازال الكثير منها منتشراً في مناطقهم.