مقتل سليماني والمهندس.. دلالات وسيناريوهات متوقعة

hozaya
4 كانون الثاني، 2020

مفاجأة من العيار الثقيل، ففي تمام الساعة الواحدة من فجر يوم الجمعة الـ 3 من كانون الثاني/ يناير الجاري، أصوات انفجارات قوية وهائلة سمعت في أطراف مطار بغداد الدولي، لتأتي الساعات اللاحقة وتكشف الأحداث عن أن عملية اغتيال من العيار الثقيل تمت في مطار بغداد الدولي وتمثلت بمقتل قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي "أبو مهدي المهندس" وشخصيات بارزة أخرى في ضربة لا سابق لها للأذرع الإيرانية الأمنية والعسكرية.

 

 

دلالات خطيرة

فوجئ العالم باغتيال الولايات المتحدة لكبار القادة الأمنيين في إيران والعراق، إذ يقول الخبير الأمني "رياض العلي" إنه والخبراء الأمنيين والاستراتيجيين لم يتوقعوا أن يكون الرد الأمريكي على اقتحام سفارة واشنطن في بغداد بهذه القوة.

"الدرس القاسي الذي تلقته الولايات المتحدة في ليبيا ومقتل سفيرها قبل سنوات، جعل من الإدارة الأمريكية تتخذ موقفا حاسما تجاه كل من يحاول تكرار هذا المشهد"

ويضيف العلي في حديثه لوكالة "يقين" أن الولايات المتحدة كانت قد تعرضت لأكثر من 11 استهدافا لقواعدها العسكرية في العراق وبعشرات صواريخ الكاتيوشا، إلا أنه يبدو أن الدرس القاسي الذي تلقته الولايات المتحدة في ليبيا ومقتل سفيرها قبل سنوات، جعل من الإدارة الأمريكية تتخذ موقفا حاسما تجاه كل من يحاول تكرار هذا المشهد في أي سفارة حول العالم.

وعن دلالات استهداف واشنطن لقاسم سليماني، يعتقد العلي أن الولايات المتحدة استنفذت جميع خياراتها السلمية والدبلوماسية مع إيران، ويبدو أن الإيرانيين استشعروا أن عدم الرد الامريكي كان ضعفا، وبالتالي ونتيجة توجهات الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" وردت فعله غير المتوقعة، جاء الرد الأمريكي ليضع حدا لكثير من التكهنات التي كانت تشير إلى تراجع الدور والقوة الأمريكية خلال السنوات الماضية.

أما أستاذ العلوم السياسية "مازن القصار" فيؤكد في حديثه لوكالة "يقين" أن التحرش الإيراني بالسفارة الأمريكية كان تعديا للخطوط الحمراء الأمريكية، وأن إيران ومن خلال كسرها للكثير من الخطوط الحمراء التي كانت إدارة أوباما قد وضعتها سابقا ولم تلقى ردا عليها في حينه، ظنت أن هذه المرة ستكون كسابقاتها، إلا أن تصرفات ترمب غير المتوقعة أدت إلى تحطيم الاسطورة الإيرانية التي عاثت فسادا سياسيا وأمنيا في غالبية دول الشرق الأوسط.

على الجانب الآخر، يعتقد القصار أن الولايات المتحدة وباغتيالها لقائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" الذي يعد مؤسس الذراع الأمني الإيراني في الخارج، فإنها تكون قد قطعت أذرع إيران الخارجية خاصة السياسية منها، إذ أن جميع الكتل السياسية الشيعية ظلت حبيسة كلماتها واكتفت بالتنديد حالها حال بقية الساسة اللبنانيين الموالين لها.

أما على صعيد الرد سواء كان عسكريا أو سياسيا، يختتم القصار حديثه بالإشارة إلى أن إيران باتت محاصرة سياسيا أكثر من حصارها العسكري، إذ أن إيران ومن الناحية النظرية فإنها مطالبة بالرد للحفاظ على تواجدها وثقلها السياسي في الدول التي لها نفوذ فيها، أما من الناحية العملية، فإن إيران ستخسر أكثر في حال ردها على اغتيال سليماني، خاصة أن سليماني مدرج على قوائم الارهاب الأمريكية والأوروبية وبالتالي تعاملت معه واشنطن كما تعاملت مع غيره من المطلوبين دوليا.

 

دلالات عسكرية وسيناريوهات

دلالات عسكرية وسياسية كبيرة وسيناريوهات محتملة تلك التي تحدثت عنها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية صباح الجمعة، إذ عدت الصحيفة الأمريكية "قاسم سليماني" أقوى شخصية في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن اغتيال واشنطن له يشير إلى تصعيد كبير للصراع الإيراني الأمريكي وكذلك ضربة قوية لإيران.

إذ حذرت الصحيفة من تعرض المصالح الأمريكية لهجمات إيرانية، مضيفة أن غياب سليماني قد يعيد تشكيل السياسة في الشرق الأوسط، لافتة إلى أن جميع السيناريوهات محتملة.

ويشير الخبير الأمني "حسن العبيدي" إلى أن جميع السيناريوهات باتت على الطاولة بالنسبة لكلا الطرفين الأمريكي والإيراني، لكن الإشكالية الكبرى هي ما تواجهه إيران، إذ ان أي تحرك عسكري ضد مصالح الولايات المتحدة قد يعني دخول واشنطن في حرب شاملة، وهذا ما ستكون تبعاته كارثية على إيران.

ويعتقد العبيدي في حديثه لوكالة "يقين" أن واشنطن وقبل إقدامها على اغتيال سليماني، فإنها فعلت جميع برامجها الدفاعية والهجومية وباتت جميع القوات العسكرية الإيرانية البحرية والجوية والصاروخية تحت أنظار الأقمار الصناعية الأمريكية، وبالتالي فإنه ومع التقدم التكنلوجي الكبير لواشنطن، فإن إيران ستخسر الحرب قبل بدايتها.

"جميع الخيارات بالنسبة لإيران مطروحة لكن في الوقت ذاته، فإن جميعها خطرة ولن تفلح في ايصال رد مناسب"

على الجانب الآخر وعن احتمالية امتصاص إيران للحادثة، أشار العبيدي إلى أن هذا السيناريو ممكن أيضا، لكن إيران بهذه الحالة ستكون قد فقدت ما بنته طيلة الـ 17 عاما في العراق والمنطقة، لافتا إلى أنه من غير المستبعد أن تعمد طهران إلى استخدام حلفائها في الرد على الولايات المتحدة إما من خلال تنشيط حزب الله اللبناني ودخوله في حرب مع إسرائيل، أو من خلال جماعة الحوثي التي قد تصعد من حربها ضد المملكة العربية السعودية، على اعتبار أن واشنطن تضع دول الخليج العربي في بودقة واحدة مع الولايات المتحدة.

ويختتم العبيدي حديثه لوكالة "يقين" بالإشارة إلى أن جميع الخيارات بالنسبة لإيران مطروحة لكن في الوقت ذاته، فإن جميعها خطرة ولن تفلح في ايصال رد مناسب، فمن استطاع رصد أقوى رجل مخابرات في الشرق الأوسط لن يغفل أي تحرك إيراني في المنطقة، بحسب العبيدي.

 

تأثر المشهد العراقي

سياسيا، يرى المحلل السياسي "ربيع الجواري" في حديثه لوكالة "يقين" إن حادثة اغتيال سليماني والمهندس وشخصيات أخرى، ستعقد المشهد العراقي أكثر مما هو عليه الآن، إذ أن منصب رئيس الوزراء سيظل شاغرا على الأقل خلال الأسابيع المقبلة.

ولفت إلى أن سليماني كان عراب المفاوضات بين الأحزاب والكتل السياسية فضلا عن معرفته العميقة بكواليس ما يدور بين الكتل، معتقدا أن بديل سليماني ليس بتلك الحنكة السياسية والعسكرية وبالتالي فإن أي تصرف أو تمرد من فصيل أو كتلة تجاه قراراته قد تعني التصفية وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

وعن تظاهرات العراقيين في ساحة التحرير والمحافظات الوسطى والجنوبية، أشار الجواري إلى أنه من غير المستبعد أن تعمد الفصائل الولائية إلى قمع هذه التظاهرات بصورة أشد مما شهدته الأشهر الماضية ما سيجلب مزيدا من التدخل الأجنبي في البلاد.

"لم يخرج أي مسؤول ليصرح بما هو مفيد للشارع العراقي بل اكتفوا بالتنديد دون تقديم أي تفسير واضحة"

ويختتم الجواري حديثه منتقدا الحكومة الحالية وأجهزتها الأمنية التي وخلال الـ 12 ساعة التي اعقبت عملية الاغتيال لم يخرج أي مسؤول ليصرح بما هو مفيد للشارع العراقي بل اكتفوا بالتنديد دون تقديم أي تفسير واضحة عن الكيفية التي تم بها الاغتيال، بحسبه.

بدورها، ترى الصحفية "أشواق السلامي" أن كل ما جرى في العراق من أحداث متسارعة خلال الأيام السبعة الماضية يشي بأن تبعات كل ما يحدث ستكون في العراق فقط، إذ أن العراق يعد أضعف دول الشرق الأوسط وبالتالي ساحة تصفية حسابات مباشرة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم ترد على إيران حينما أسقطت لها أسطورة الطائرات المسيرة، خشية من دخولها في حرب مباشرة، بينما استهدفت سليماني على الأراضي العراقية دون غيرها من الدول، ما يعني أن العراق الحلقة الأضعف.

هي سيناريوهات كثيرة ومتشابكة، إلا أن جميعها لا تصب في صالح العراق، الذي بات الحلقة الأضعف في الصراع الاقليمي والدولي.

menu-circlecross-circle