أدى تغيير العقيدة العسكرية للجيش العراقي أكثر من مرة، منذ تأسيسه قبل مائة عام، بين عقيدة شرقية وأخرى غربية، إلى خسائر كبيرة على جميع الصعد، حيث أنه كان يضطر في كل مرة للقبول بشروط جديدة. وتغيرت عقيدة الجيش العراقي ثلاث مرات حتى الآن، فعند تأسيسه عام 1921 اتبع العقيدة البريطانية في التسليح والتدريب، ثم تغيرت إلى العقيدة الشرقية اعتماداً على الإتحاد السوفييتي السابق ، قبل أن تفرض واشنطن عقيدتها على الجيش العراقي تدريباً وتسليحاً، بعد الاحتلال عام 2003. وبحسب المستشار العسكري السابق صفاء الأعسم، فإن الجيش العراقي "كان من الجيوش القلائل في المنطقة والشرق الأوسط، قبل عام 2003، وعندما تغيرت عقيدة التسليح بعد دخول الولايات المتحدة، تغيرت نوعية السلاح من الشرقي إلى الغربي، و بدأت واشنطن في السيطرة على مستوى التسليح العراقي". وانطلاقاً من رغبتها في استمرار التفوق العسكري "الإسرائيلي" أبقت واشنطن الجيش العراقي على أسلحة ومعدات قديمة، يعود تاريخ صناعتها إلى أكثر من عقد من الزمان، وعندما زودت العراق بطائرات "اف 16″ ، سلمت "إسرائيل" في نفس اليوم طائرات "اف 35″.
طائرة ال "اف 16″الأمريكية تتفوق على السوخوي الروسية التي يعود تاريخ تصنيعها الى الثمانينات من القرن الماضي، وأجريت عليها بعض التعديلات قبل إرسالها للعراق
إيران على الخط من جديد
وأيدت مصادر برلمانية عراقية ما ذكرته تقارير غربية، عن اعتزام بغداد التعاقد خلال الأشهر المقبلة، على شراء منظومة دفاع جوي وطائرات من روسيا، لا رغبة بتنويع مصادر السلاح، بل استجابة لضغوط إيران، التي ترتبط مع روسيا بعلاقات اقتصادية وعسكرية بلغت أوجها في التدخل العسكري في سوريا. وتمارس طهران ضغوطاً على الحكومة العراقية، لدفعها للتعاقد مع الجانب الروسي على شراء طائراته، بدلاً من "اف 16″ الأمريكية، بعد أن أوقفت شركة "لوكهيد مارتن" للصناعات العسكرية، عمليات الصيانة والتدريب الخاصة بسرب المقاتلات الحربية، التي اشتراها العراق من الولايات المتحدة. وانسحبت هذه الشركة من العراق إثر تعرضها لهجمات مسلحة، في قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين. وذكرت مصادر مطلعة، إن أطرافاً في العراق تدفع باتجاه شراء أسلحة من روسيا بدل الولايات المتحدة الأميركية. ونسبت هذه المصادر مطالبات التسليح من موسكو إلى "جهات مقربة من طهران داخل العراق"، وقالت إن موسكو أبدت استعدادها لتزويد بغداد بأسلحة وطائرات، وفق نظام تسديد مالي ميسر، لكن الولايات المتحدة هددت بوقف تزويد العراق بقطع غيار أسلحتها، إذا ما أصر على شراء أسلحة روسية، مما يعني أن كل الأسلحة والمعدات التي اشتراها منها، ستتحول إلى قطع حديدية لا قيمة لها. ومثّل السلاح الأمريكي بعد الاحتلال أكثر من 65% من ترسانة الجيش العراقي، وبحسب بيانات وزارة الدفاع العراقية فإن العراق استورد من الولايات المتحدة 36 طائرة من طراز "اف 16″، ضمن صفقة تمت عام 2011، بمبلغ تجاوز الـ4 مليارات دولار، تسلم آخر وجبة منها منتصف 2019.
إتفاقية الإطار الستراتيجي
من ناحية أخرى لا يبدو أن مثل هذه الصفقات يمكن أن تتم بالسهولة التي تريدها إيران، التي تربطها مصالح مع الجانب الروسي في أكثر من ساحة، وتريد "إرضاء روسيا" على حساب العراق، الذي تورط باتفاقيات مع الجانب الأمريكي، لا تسمح له بحرية التعاقد مع أطراف ثانية. ويرى برلمانيون معارضون لإتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرمة بين بغداد وواشنطن، إنها سمحت للأخيرة بالتدخل في الشأن العراقي، وإنها كتبت "بنفس أمريكي" بعيداً عن المصالح الوطنية العراقية. ولفتت هذه المصادر إلى "وجود صعوبة كبيرة في شراء سلاح من روسيا، لأن الولايات المتحدة ملزمة بحماية العراق ضمن هذه الاتفاقية، وهي من يحدد مصادر التسليح، وخلاف ذلك ستوجه عقوبات إلى بغداد". وكانت الحكومة العراقية قد كبلت البلاد بقيود "إتفاقية الإطار الاستراتيجي" وتعرف اختصاراً باسم "صوفا"، التي وقعها نوري المالكي مع الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج دبليو بوش" في بغداد عام 2008، وتضم ثلاثين مادة.
وقارن خبراء عسكريون بين الطائرات الروسية والأمريكية العاملة ضمن سلاح الجو العراقي، معبرين عن اعتقادهم بأن طائرة ال "اف 16″الأمريكية تتفوق على السوخوي الروسية التي يعود تاريخ تصنيعها الى الثمانينات من القرن الماضي، وأجريت عليها بعض التعديلات قبل إرسالها للعراق، أما الطائرات التي ينوي العراق شراءها الآن، فهي من نوع "سو 57" الشبحية، ويبلغ سعر الواحدة منها نحو 100 مليون دولار.
صعوبات مالية
وبالإضافة للالتزامات العراقية تجاه الجانب الأمريكي، فقد برزت الصعوبات المالية كمعوق رئيسي أمام العراق لإتمام صفقة السلاح مع الجانب الروسي، وبحسب عضو لجنة الأمن في البرلمان بدر الزيادي فإن من المستبعد "أن يقوم العراق في الوقت الحالي بشراء طائرات جديدة، لأن البلاد تواجه مصاعب مالية". وبلغ حجم العجز في الموازنة 30 تريليون دينار، فيما ارتفعت الديون واجبة الدفع إلى ما بين 23 و 25 مليار دولار، وفقاً لمصادر حكومية.
وبحسب متخصصين في المعاهدات الدولية، لا تختلف دولة شرقية عن غربية في فرض إرادتها على الطرف الآخر، سواء تعلق الأمر باتفاقات عسكرية أم اقتصادية أم سياسية، عندما لا يمتلك هذا الطرف قراره السياسي، فيضطر للقبول بمعاهدات مجحفة، أما عندما يتدخل طرف ثالث فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً، ويصعب عليه الخروج من مآزق يتورط بها، كما يحدث للعراق الآن في قضية الطائرات والأسلحة الروسية، نتيجة تدخل إيران في قراره السياسي.