أحيا مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) اليوم السبت الذكرى الثانية والعشرين لاحتلال العراق بندوة فكرية معمقة حملت عنوان "22 عامًا على احتلال العراق: الذاكرة والتحديات والمسار إلى المستقبل".
واستضافت الندوة التي أقيمت في مقر المركز بإسطنبول نخبة من الباحثين، وهم الدكتور رافع الفلاحي، والدكتور جاسم الشمري، والأستاذ ياسر القادري، الذين تناولوا بالتحليل والبحث تداعيات هذه الذكرى على الذاكرة العراقية، والتحديات الراهنة التي تواجه البلاد.
نتائج كارثية
وافتتح د. يحيى الطائي، نائب الأمين العام لهيئة علماء المسلمين، ندوة "راسام"، وأكد بأن العراق يرزح تحت تحديات جسيمة بعد 22 عامًا من الغزو، في ظل نظام سياسي واهن قوامه المحاصصة الطائفية والعرقية وتغييب الهوية الوطنية.
من جانبه، أكد الباحث أ. ياسر القادري في ورقته البحثية المعنونة بـ"أثر احتلال العراق على المنطقة"، على إجماع المراكز البحثية المتخصصة بأن نتائج الاحتلال كانت كارثية على العراق والمنطقة.
وأوضح أن أولى تداعياته على المنطقة كانت انهيار السد، حيث كان العراق القوي يمثل مصدًا للجناح الشرقي من التمدد الخارجي، معتبرًا أن احتلال العراق غيّر نظرة غالبية الدول العربية للوجود الأمريكي، الذي أصبح وسيلة لتغيير المنطقة بما يتماشى مع الرؤية الأمريكية.
ولفت إلى أن إيران كانت من أكبر المستفيدين من الاحتلال، حيث سنحت لها فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها والتوسع في المنطقة، كما أصبحت أكثر قدرة على التأثير والنفوذ، واستغلت الشرخ الطائفي الذي عززه الاحتلال والتدخل الإيراني لتحديد استراتيجيتها وتوجهاتها.
كما بين القادري أن فكرة التقسيم في العراق لم تكن ذاتية بل نتيجة مباشرة للاحتلال الأمريكي الذي ساهم في تقسيم المنطقة والصراع على نفوذها، خاصة مع تمركز الثروات النفطية في العراق.
ولفت الباحث إلى استفادة الكيان الصهيوني من احتلال العراق، مشيرًا إلى دور اللوبي المؤيد له في واشنطن في تشجيع الحرب على العراق، معتبرًا أن احتلال العراق حول جزءًا من الاهتمام العربي والإسلامي من نصرة القضية الفلسطينية نحو التحديات الجديدة.
ويوافقه بذلك د. يحيى الطائي، حيث أكد بأن السبب الأبرز لغزو العراق لم يكن الثروات النفطية والأطماع الاقتصادية، بل أيضًا مصالح الأمن القومي الصهيوني.
استراتيجيات بقاء الاحتلال
بدوره سلط د. رافع الفلاحي في ورقته على الاحتلال ومشاريع ترسيخ في العراق، مستذكرًا بشاعة قصف بغداد الوحشي قبيل الاحتلال، كما يحدث اليوم من قصف على غزة.
وأشار الفلاحي إلى أن العراق عُزل عربيًا قبل عزله أمريكيًا، حيث أن نظرية الأمن الإسرائيلي استندت إلى تفتيت الدول العربية وقواها، وهو ما بدأ مع اتفاقية سايكس بيكو.
وكان العراق وما زال يمثل كيانًا كبيرًا، وأن تفكيكه كان جزءًا من مخطط صهيوني أمريكي بريطاني واضح، استمر منذ تأسيس الدولة العراقية مطلع العشرينيات حتى الغزو.
وبين أن ضرب قوة العراق العسكرية والصناعية الهائلة التي خرج بها من الحرب العراقية الإيرانية كان هدفًا أمريكيًا إسرائيليًا، حيث سعوا إلى نزع هذه القوة من العراق.
وتابع، أن الأمريكان عملوا عند تشكيل الطبقة الحاكمة بعد 2003 على تعويم الدولة العراقية وإزاحة مؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية التي حُلت في البداية، مما أثار الفوضى.
وأكد الفلاحي بأن العراق بتاريخه الممتد لآلاف السنين كان أوسع مما هو عليه الآن. وأن مشاريع ترسيخ الاحتلال استندت إلى المحاصصة الطائفية والقومية التي ظهرت لأول مرة في العراق، وتقسيم المجتمع إلى أكثرية وأقلية.
وأضاف أن إشاعة الفوضى والفساد والنهب كانت من أدوات ترسيخ الاحتلال، حيث تركت القوات الأمريكية الأبواب مفتوحة للنهب، بل ووجهت مجاميع معينة للقيام بذلك وتصوير العراقيين على أنهم سراق.
ولفت الفلاحي إلى أن المشروع الإيراني التوسعي كان جزءًا من أدوات أمريكا في ترسيخ الاحتلال، وأن حل الجيش العراقي كان ضربة كبيرة، أدت إلى ظهور رايات صغيرة طائفية وحزبية وولاءات فردية.
تحديات المواطنة
وكانت الورقة البحثية الثالثة في جلسة الندوة للباحث د. جاسم الشمري، والتي حملت عنوان "التحديات التي تواجه بناء دولة المواطنة"، وأشار في تقديمها إلى أن الدولة النقية تسعى لتحقيق العدل والمساواة والرعاية، بينما الدولة "الملوثة" تنشر الظلم والمحاباة وتضيّع الحقوق.
وبين الشمري أن حقوق المواطنة تتطلب وعيًا مجتمعيًا بأهميتها لتطبيقها ومراقبة أداء الحكومة، خاصة في عصر الإعلام الرقمي، مشددًا على ضرورة تنظيم هذه الحقوق بقانون دقيق يضبط علاقة المواطن بالسلطة.
وأكد على أهمية الحرية بمختلف صورها، لافتًا إلى الاكتظاظ في سجون العراق اليوم، كصورة من صور تكبيل الحريات، معتبرًا حق الحياة حقًا أصيلًا لا يمكن التجاوز عليه.
وأشار الشمري إلى الحقوق السياسية، كحق النقد والتظاهر السلمي، محذرًا من استخدام فكرة دولة المواطنة للاستهلاك السياسي. وأن المواطنة الخالية من احترام الإنسانية والتعايش السلمي والعدالة تقود إلى الهجرة السلبية.
واعتبر أن تأسيس الطبقة الحاكمة للعراق بعد الغزو على أسس طائفية وقومية، هي من أبرز تناقضات بناء دولة المواطنة، حيث أن الفوضى الخلاقة تتسبب بخلق فتن طائفية متواصلة.
وأكد الشمري في خاتم ورقته، على أن الدولة اليوم ذات طابع ديني مذهبي رغم رفع شعار الديمقراطية، لافتًا إلى أن قضية دولة المواطنة بعيدة المنال في المدى المنظور.
واختتمت الندوة بحوار وتساؤلات بين الباحثين والحاضرين، وسط إشادة بعمق الأوراق البحثية، وجهود المركز المنظم. كما شكر د. يحيى الطائي الباحثين والحضور، داعيًا بالنصر لأهالي غزة المحاصرين.