قررت الحكومة العراقية تشكيل لجنة عليا للاشراف على حسم أملاك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الملغاة وفق صيغتين تقتضي الأولى إقرار محضر الإتفاق المشترك بين ديواني الوقفين الشيعي والسني لحسم أملاك الوزارة الملغاة، الذي ورد في مذكرة مكتب مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون الإستراتيجية في العشرين من تشرين الأول الماضي، فيما تنص الصيغة الثانية على نقل أرشيف الحجج الوقفية إلى وزارة الثقافة/ دائرة الكتب والوثائق، وسيكون لزاماً على بقية الجهات الحكومية تسليم كافة المتعلقات بما فيها الأرشيف والوثائق والأحكام القضائية التي كانت بحوزة الوزارة الملغاة قبل الإحتلال الى وزارة الثقافة قبل نهاية العام الحالي. كما يقضي القرار بتوزيع الإرشيف الذي يضم الحجج والأملاك الوقفية على الدواوين المختصة.
وبموجب هذا التفاق الذي وافق عليه رئيس الوقف السني وكالة ستشكل لجنة عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء وتضم وزير العدل ورئيسي ديواني الوقفين الشيعي والسني لمتابعة عملية فرز الأوقاف الإسلامية والأموال التابعة للوزارة الملغاة.
الحجج تابعة لأشخاص "حبسوا أموالهم وإرثهم وحرموا منها ذرياتهم لجعلها وقفا للمسلمين
موجة غضب
وفور نشر القرار اجتاحت الدوائر الشعبية والمهنية ذات العلاقة موجة من الغضب لما يمثله من تمييز بين فئة وأخرى وتلاعب بعائدية الأوقاف قد يعيد التوتر الطائفي إلى البلاد بعد أن تمكنت من اجتيازها، وفي هذا الصدد قال الباحث بشؤون الأوقاف مصطفى البياتي في تصريح صحفي إن "توقيت هذا القرار سيء جدا ويضر بالسلم المجتمعي، ويرسخ المفهوم الطائفي والعرقي " وانتقد الباحث تقسيم أملاك الأوقاف على نسبة الناخبين وعدد الممثلين في مجالس المحافظات مضيفاً "أن القرار رفضته جميع الجهات السياسية والدينية والنخب الأكاديمية، وأدعو كل من وقّع عليه إلى التراجع وأن يضع نصب عينيه مصلحة البلد ووحدته والتي هي أهم من كل شيء".
وأضاف الباحث المذكور سبباً قانونياً لاعتراضه هو أن القرار"ليس من تخصص السلطة التنفيذية، لأن الحجج الوقفية من اختصاص القضاء،" وأن الحجج تابعة لأشخاص "حبسوا أموالهم وإرثهم وحرموا منها ذرياتهم لجعلها وقفا للمسلمين،" مستغرباً من نقلها إلى وزارة الثقافة، وأضاف أن الوقف "ليس مؤسسة اعتيادية تابعة للدولة، وإنما لها اعتبارها المعنوي في نفوس الناس، وبالتالي الموضوع يعتبر خيانة لأموال وحقوق المسلمين". على حد قوله
أن الاوقاف السنية ليست ملكاً لأحد يتصرف بها وفق مصالحه وإنما هي تاريخ وسلوك ديني تربوا عليه
هيئة علماء المسلمين تستنكر القرار
وكانت مشكلة الأوقاف قد برزت بعد الإحتلال عندما ألغيت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وانشطرت وتحولت إلى أوقاف تتبع المذاهب وحاولت فصائل مسلحة السيطرة على الأوقاف والعقارات التابعة للوزارة الملغاة ثم جاء الإتفاق الأخير ليشرعن هذه المحاولات ويفتتح الباب أمام تلك المحاولات. وتشمل غالبية أوقاف الوزارة الملغاة جوامع وأملاك ومنازل وعقارات تجارية تابعة لأهل السنة موزعة على مختلف المحافظات العراقية .
وكانت هيئة علماء المسلمين قد أصدرت بياناً حول عائدية الأوقاف والمساجد وحسم أملاك وزارة الأوقاف الملغاة جاء فيه أن "موضوع الأوقاف في العراق وما تعرضت له من نهب وإهمال كبير، لم ينقطع منذ لحظة الاحتلال الأولى التي شهدت محاولات محمومة للسيطرة على مؤسسة الوقف ومواردها، من بعض الجهات المتعاونة مع الاحتلال". وقالت الهيئة في بيانها الذي حمل الرقم(1399) أنها " تصدت لهذه المحاولات وعملت مع أطراف عدة في وقتها على وضع حدود واضحة للمؤسسات المعنية بالأوقاف بعد إلغاء وزارة الأوقاف السابقة، وتعيين الجهة المعنية بها، ومن ثم وضع يد (ديوان الوقف السني) على هذه الممتلكات، بواسطة لجانها التي شكلتها لاسترداد المساجد المغتصبة، فضلًا عن جهود الهيئة في الوقوف بحزم أمام محاولات الضغط على (ديوان الوقف) في وقتها، ومن ذلك إقامتها تجمعًا كبيرًا في جامع (أبي حنيفة) ببغداد في الربع الأخير من عام (2003م)؛ لتعزيز جهود إدارة الوقف ودعمها بوجه الهجمات التي كانت تتعرض لها من أطراف عدة.
وتطرق البيان إلى ما توصلت إليه اللجنة التي شكلتها الهيئة لمتابعة هذا الموضوع الخطير ورصد آثاره. وسجل البيان العديد من النقاط حول ما جاء في الإتفاق الأخير في بين إدارتي الوقفين (الشيعي) و(السني) وما ينتج عنه من "تفريط كبير بمصالح الوقف ووقفياته والمساجد المسلوبة منه سلفًا، تطوعًا أو بتأثير عوامل ضغط حكومية أو ميليشياوية أو بفعل انحياز القضاء لغيره، وهو ما يهدد بذهاب كثيرٍ من أموال الوقف، وذلك عن طريق التنازل عن كثير من الأوقاف العائدة له، لصالح (ديوان الوقف الشيعي)" بحسب بيان الهيئة الذي دعا الجميع في ختامه إلى "فهم الواقع الشاذ الذي يراد فرضه على الشعب العراقي، والتحلي بالمسؤولية لقول الحق بعيدًا عن الأعذار الواهية التي أثبتت التجارب فشلها وعدم واقعيتها، وعدم تصديق دعاوى المحافظة على الأوقاف الإسلامية في العراق التي عدتها بعض الجهات أحد نجاحات مشاركتها في العملية السياسية الفاشلة أو دعمها لها."
وعلق ناشطون على القرار الحكومي في تغريدات على مواقع التواصل أن الاوقاف السنية ليست ملكاً لأحد يتصرف بها وفق مصالحه وإنما هي تاريخ وسلوك ديني تربوا عليه ، وأملاك وهبها أصحابها لصالح المسلمين وتوارثتها الأجيال منذ قرون.
ضجة في البرلمان
وتناول عدد من أعضاء البرلمان القرار بالنقد من زوايا مختلفة. النائب أحمد مظهر الجبوري، عن "تحالف القوى العراقية"، تناول الجانب القانوني للقرار وقال في تصريح صحفي إن "توقيت القرار غير مناسب، وإن رئيس الديوان بالوكالة سعد كمبش ليست له صلاحية التوقيع على هذا الاتفاق". وكان التحالف الذي ينتمي له النائب المذكور قد ألمح لهذه المخالفة بالقول أن "كمبش يعمل بالوكالة وغير مُثّبتٍ في منصبه، إذ لم يصوت مجلس النواب على تعيينه حتى الآن، ولا يملك صلاحية التوقيع على قرارات مصيرية تتعلق بالتخلي أو التنازل أو التفريط بأوقاف المسلمين." وسبق أن طالب التحالف المذكور رئيس الوزراء بإنهاء عمله رئيساً للوقف السني واختيار مرشح من المجمع الفقهي لتولي شؤون الوقف أصالة، وإلغاء محضر الاتفاق الذي وقع عليه كمبش.. ويبدو أن توقيع رئيس الوقف السني وكالة سعد حميد كمبش قد فتح أبواب النقد على مصاريعها فقد قالت النائب سميعة الغلاب أنها سعت لاستجواب كمبش "لوجود ملفات فساد كثيرة وهدر بأموال الديوان" ونقل أحد المصادر الصحفية عنها قولها إن هناك "ملفات فساد كبيرة تتعلق بصرفيات رئيس الديوان سعد كمبش وإهداره المال العام، فضلًا عن ملفات فساد تتعلق بالعقود والعقارات التابعة للوقف السني،"
وغرد النائب عن "الجبهة العراقية" محمد إقبال في حسابه على موقع "تويتر" بالقول إن "مجلس الوزراء أقحم نفسه في المصادقة على عملية تضليل كبيرة وسرقة أكبر لأوقاف المسلمين". معتبراً أن قضية الوقف السني "مستنقع يزكم الأنوف، وورقة تستغل سياسيا في كل حكومة للابتزاز وشراء المواقف والولاءات". بحسب النائب المذكور. أما النائب محمد الكربولي، فقد غرد قائلاً إن تمرير مجلس الوزراء لمحضر الاتفاق "إجراء خطير يهدد ملكية الأوقاف السنية ومؤسساتها وإخراجها من يد أصحابها الشرعيين عن طريق احتمالية التلاعب بها وتزويرها"
تحالف الفتح يغرد وحيداً خارج السرب
من جانبه قال تحالف الفتح إن معارضة بعض الجهات السياسية لنص الاتفاق "يأتي في خضم الدعاية الانتخابية،" وصدر بيان عن مكتب رئيس الكتلة في البرلمان محمد الغبان جاء فيه: "طالعنا تصريحات من بعض الشخصيات تعترض على الإتفاق التنظيمي لشؤون الأوقاف، وقد أعادتنا هذه التصريحات إلى لغة الخطاب الطائفي الذي ظننا أننا غادرناه وبدأنا نفكر بخطاب وطني جامع يهتم بمصير ومصالح ومستقبل المواطنين العراقيين وليس مصالح الفئات والطوائف ولأغراض سياسية وانتخابية مبكرة"!
وسخر ناشطون في منشورات على موقع الفيس بوك من بيان الغبان عضو منظمة بدر الذي كان وزيراً الداخلية قبل أن يطيح انفجار الكرادة 2016 بوزارته ليصبح مستشاراً في الحشد الشعبي 2017 ، وتساءل أحد الناشطين عن ما يدفع عضواً في منظمة بدر للدفاع عن أوقاف جهة طالما اشتهرت منظمته بأعمال عنف ضد أبنائها منذ 2003 حتى اليوم.