"الإرهاب"، هذه التهمة التي تلجأ إليها حكومات الاحتلال المتعاقبة بمناسبة وبلا مناسبة جاهزة للجميع، ابتداء من المدنيين الأبرياء الذين تمتلئ بهم سجون النظام، مروراً بالمتظاهرين السلميين، وانتهاء بالجمعيات والمؤسسات الخيرية. وهذه التهمة التي اخترعها "المخبر السري" سيء الصيت في الأيام الأولى للاحتلال، فضلاً عن كونها تهمة باطلة في أغلب الأحيان، فهي أداة لتشويه سمعة شخصيات وجمعيات لها تاريخها المعروف لدى الجميع، خاصة عندما تحاك هذه التهم في أقبية اللجان الحكومية المعروفة بفسادها وطائفيتها، وعندما تكون هناك أطماع بأموال وممتلكات حتى وإن كانت وقفاً للأيتام والأسر المتعففة، كما حدث لجمعية التربية الإسلامية. وبدون سابق إنذار صدر قرار عن "لجنة تجميد أموال الإرهابيين" العراقية في 20 آذار /مارس 2020، يقضي بتصنيف هذه الجمعية كمنظمة إرهابية وتجميد أموالها، ليعقبه مؤخراً التصديق على هذا القرار، وتصفية ومصادرة أملاكها الوقفية، ولتحرم مئات العوائل المتعففة والأيتام الذين تكفلهم الجمعية، والمسجلين لديها بشكل رسمي من حقوقهم، وذلك خلافاً للسياقات القانونية المتبعة في مثل هذه الحالات، حيث يفترض إشعار المؤسسة المعنية بكتاب خطي يسلم باليد.
تطورت أنشطة الجمعية لتشمل الأعمال الخيرية والإغاثية، وبلغ عدد الأيتام الذين ترعاهم الجمعية ما يقرب من 1000 يتيم مسجل رسمياً
70 عاماً من المنجزات
ويرجع تأسيس جمعية التربية الإسلامية إلى الثاني عشر من آب عام 1949 ، عندما طرحت فكرة إنشائها لأول مرة في مجلس الشخصية العلمية المعروفة على مستوى العالم الإسلامي الشيخ أمجد الزهاوي كمدرسة إسلامية، وكانت بغداد تزخر في ذلك الوقت بجمعيات ومؤسسات تابعة لديانات أخرى مثل كلية بغداد وثانوية الراهبات وغيرها، فجاءت فكرة إنشاء الجمعية لتكون حاضنة للنشء الجديد من أبناء المسلمين. وتبنت هذه الفكرة شخصيات علمية معروفة في تلك الحقبة، مثل المحامي عبد الرحمن خضر والمدرس في مدرسة التفيض الأستاذ عبد الوهاب السامرائي، الذي كتب نظامها الداخلي وقدمه إلى الشيخ أمجد الزهاوي، حيث قدم طلباً إلى وزارة الداخلية العراقية بتأسيس جمعية باسم "جمعية التربية الإسلامية" ، لتجيزها الوزارة في الثاني والعشرين من الشهر نفسه. ومنذ تأسيسها في ذلك التاريخ حتى صدور قرار تجميدها اضطلعت الجمعية بمهام تربوية وإغاثية عديدة، وتركزت أنشطتها في البداية على الجوانب التربوية والتعليمية حيث أنشأت مدرسة ومعهداً، يقوم بتدريس المناهج الحكومية المقررة من وزارة المعارف آنذاك، مضافاً إليها مناهج إسلامية تخصصّية هي علوم القرآن والتفسير، الفقه والسنة النبوية، الدعوة والعقيدة، وعلوم التجويد. وأصدرت الجمعية عام 1959 مجلة التربية الإسلامية، التي تعدّ من أقدم وأبرز المجلات الإسلامية في العراق والعالم العربي، ولم تتوقف عن الصدور حتى قرار تجميد الجمعية مؤخراً. ثم تطورت أنشطة الجمعية لتشمل الأعمال الخيرية والإغاثية، وبلغ عدد الأيتام الذين ترعاهم الجمعية ما يقرب من 1000 يتيم مسجل رسمياً، ومئات العوائل المتعففة، وتسبب تجميد الجمعية بحرمان هذه الشرائح التي تكفلها الجمعية من حقوقها. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها الجمعية، حيث سبق لجهات متنفذة أن أقدمت على هدم مسجدها في أيار/ مايو 2018 ، الذي يحتوي على مدرسة متكاملة تولت تدريس القرآن الكريم منذ أواخر الأربعينيات.
الحكومات المتعاقبة منذ حكومة المالكي وحتى الحكومة الحالية، استهدفت الجمعية بشكل مباشر، وتعاونت على هذا الإستيلاء
إستنكار واسع
وأثار هذا الإجراء موجة من الاستياء والغضب بين مختلف الأوساط الشعبية العراقية، كما قوبل بموجة تنديد واسعة في العالم الإسلامي أيضاً، لما تتمتع به هذه الجمعية ومؤسسوها من تاريخ مشرف في مجال التعليم والإغاثة، ولم يعرف عنها أي نشاط منذ تأسيسها قبل أكثر من سبعين عاماً، غير ما يتعلق بالجوانب التربوية والتعليمية، وبكفالة الأيتام وإعانة الأسر المتعففة. وتعليقاً على تصديق القضاء على قرار حلّ الجمعية، أصدرت هيئة علماء المسلمين العراقية تصريحاً صحفياً جاء فيه "إن استهداف جمعية (التربية الإسلامية)، التي سعت بكل طاقاتها إلى نشر القيم والأخلاق التربوية والمبادئ الإسلامية، هو استهداف لتراث العراق واستمرار لسياسة الإقصاء والتهميش الطائفي، الذي تنتهجه حكومات الاحتلال منذ عام (2003م)." وحمّل التصريح الذي أصدره قسم الإعلام في الهيئة مسؤولية الإجهاز على هذه المؤسسة "لإدارة (كلية التراث) والجهات الداعمة لها، والحكومات المتعاقبة التي تواطأت معها". ولم يعف التصريح المسؤولين عن الجمعية "من التقصير والتكاسل في التصدي لتمرير هذا المخطط الخبيث،" مؤكداً إن "إنهاء (جمعية التربية الإسلامية) والقضاء على تأريخها وأثرها الفاعل في خدمة المجتمع؛ هي جريمة أخرى تنفذ عن طريق القضاء في العراق، بقرارات قضائية مجحفة ظالمة، لا تقل ظلماً وجوراً عن أحكام الإعدام التي يصدرها هذا القضاء الظالم بين حين وآخر.“
هل تجوز تصفية الأوقاف؟
وفي مداخلة تلفزيونية تحدث مقرر القسم السياسي في الهيئة الدكتور ثامر العلواني، عن دوافع تجميد الجمعية، وقال إنها دوافع طائفية وأطماع شخصية، نظراً لموقعها المهم في العاصمة، حيث كان أول من استهدفها إدارة كلية التراث الجامعة، التي تقع في بناية تابعة للجمعية، استأجرتها منها عام 1988، لكن أطماع هؤلاء لم تكتف بالإستئجار وإنما هدموا المسجد عام 2018 وضموا أرضه إلى الجامعة، مضيفاً أن الحكومات المتعاقبة منذ حكومة المالكي وحتى الحكومة الحالية، استهدفت الجمعية بشكل مباشر، وتعاونت على هذا الإستيلاء. وقال العلواني إن ألف يتيم ومئات العوائل المتعففة الذين كانت ترعاهم الجمعية، أصبحوا مشردين في الشوارع بعد تصفيتها. وعن وجود دوافع غير معلنة وراء هذا القرار الصادر عن القضاء قال العلواني، إن القضاء أصبح أداة بيد السياسيين الطائفيين والطامعين الحاقدين، ورأينا بشكل واضح أن هذا القضاء صمت ولم ينصف الجمعية الشرعية، عندما سلبت ممتلكاتها وهدم مسجدها، وهذا كله بتواطؤ من الحكومات المتعاقبة. وحول مسألة تعيين مصفٍّ قضائي لتصفية ممتلكات الجمعية، على الرغم من أن الوقف يجب أن يبقى موقوفاً على شرط الواقف، قال العلواني "إن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية استُهدفت منذ مجيء الإحتلال، وأصبح كل ما يعود للوقف مستهدفاً بشكل مباشر، ورأينا مساجد اغتصبت، وأملاكاً عقارية ومزارع وبيوت سرقها السياسيون بدوافع طائفية وأطماع شخصية، ومن المعروف لدى كل المذاهب أنه لايجوز التعدي على الأملاك الوقفية، لأنها أملاك تعود لله عز وجل، وليس للبشر سلطة عليها، إلا في إدامتها من أجل أن تذهب للفقراء والمساكين وما وقفت عليه هذه الممتلكات".
يذكر أن السلطات التزمت الصمت منذ هدم المسجد التابع للجمعية، والإستيلاء على أرضه عام 2018 ، رغم كل المطالبات بإجراء تحقيق فوري بالموضوع، حتى جاء قرار التصفية، ولم يصدر عن الجهات المعنية أي تعليق حتى الآن، رغم الضجة الكبيرة التي أحدثتها تصفية جمعية عريقة كجمعية التربية الإسلامية، يمتد تاريخها لسبعين سنة خلت .